عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ البقرة.
فهم طلبوا منه أن يشرع لهم الجهاد والقتال، فهذا يدل على عدم مشروعيته قبل ذلك لهم، وأيضا عيسى عليه الصلاة والسلام بعث إلى بني إسرائيل، ولا جهاد في شريعته كما هو معلوم، فكان الجهاد مشروعا لبني إسرائيل في أوقات دون أوقات، فشرع في زمان موسى عليه الصلاة والسلام، لما أمر قومه بدخول الأرض المقدسة، وشرع أيضا في زمن يوشع، وداود، وسليمان عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم، ومنع في أوقات أيضا.
وأيضا هؤلاء عامة جهادهم - كما ذكر شيخ الإسلام - جهاد دفع، قال شيخ الإسلام في المجموع:"وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف، ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك، بل منهم من لم يجاهد، والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يقاتل الصائل الظالم، لا لدعوة المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما قال موسى لقومه: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدبارهم فتنقلبوا خاسرين) (قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) إلى قوله: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) وقال تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) فعللوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ومع هذا فكانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك، ولهذا لم تحل لهم الغنائم، ولم يكونوا يطئون بملك اليمين"انتهى كلامه.
وقد سطر بنو إسرائيل - الذين شرع في حقهم الجهاد - كثيرا من المواقف المخزية إلا من رحم الله وهم القليل، فقد ذكر الله تعالى في القرآن موقفهم مع موسى عليه الصلاة والسلام، لما أراد منهم دخول الأرض المقدسة فأبوا وقالوا قولتهم الشنيعة: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة.