وسيأتي إن شاء الله في باب قصص الشهداء قصص في هذا الموضوع.
وقال ابن النحاس في المشارع:"واعلم أن الحور العين قد يتراءين للجريح المثخن، لقربه من منزل الشهادة، ومن ذلك ما حكاه الإمام العارف سيدي عبد اللّه اليافعي رحمه اللّه تعالى في كتابه روض الرياحين، عن بعضهم، قال: كنت في بلاد الروم فَصَحِبَنَا رجل، فرأيناه لا يأكل ولا يشرب، فقلت له: ما رأيتك تأكل شيئا من القوت منذ أحد عشر يوما؟ فقال: إذا دنا فراقي منكم حدثتكم، فلما دنا الفراق قلت له: حدثنا ما وعدتنا، قال: غزونا في أربع مائة فخرج علينا العدو فقتل أصحابي وجرحت أنا فكنت بين القتلى، فلما كان وقت الغروب، أحسست برائحة فائحة من قبل الجو، ففتحت عيني فإذا بجَوَارٍ عليهن ثياب ما رأيت مثلها، وفي أيديهن كأسات يصببن في أفواه القتلى، فغمضت عيني حتى وصلن إلي، فقالت واحدة منهن: أصببن في حلق هذا، وعجلن قبل أن تغلق أبواب السماء فنبقى في الأرض، فقالت أخرى: أأسقيه وفيه رمق؟ فقالت لها الأخرى: لا بأس عليك يا أختي، فصبت في حلقي، فأنا منذ شربت ذلك الشراب لا أحتاج إلى طعام ولا شراب"انتهى كلامه.
ولأجل هذا اللقاء وهذا الحضور التي تحضره الحور عند خروج روح الشهيد، كان بعض المجاهدين ربما تجمل واغتسل، وتحنط واكتحل، وتطيب قبل خروجه إلى القتل، استعدادا لهذا اللقاء واستعدادا للحور العين:
فقد بوب البخاري باب التحنط عند القتال وروى فيه عن موسى بن أنس قال وذكر يوم اليمامة قال: أتى أنس ثابت بن قيس، وقد حسر عن فخذيه، وهو يتحنط، فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط - يعني من الحنوط - ثم جاء فجلس فذكر في الحديث انكشافا من الناس، فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بئس ما عودتم أقرانكم.
وروى ابن المبارك عن محمد بن الأسود بن خلف بن بياضة الخزاعي قال: (إنا لجلوس في الحجر وناس من قريش، إذ قيل قدم الليلة عمرو بن العاص من مصر، فما أكبر بأن دخل، فابتدرناه بأبصارنا، فلما طاف دخل الحجر وصلى ركعتين، ثم قال: كأنكم قد قرضتموني بهنت، فقال القوم: لم نذكر إلا خيرا ذكرناك وهشاما، فقال بعضنا: هذا أفضل، وقال بعضنا: هذا أفضل، فقال عمرو: سأخبركم عن ذلك، إنا أسلمنا فأحببنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناصحناه، فذكر يوم اليرموك فقال: أخذت بعمود الفسطاط