ومعنى الاكتناف الإحاطة به من كل جانب، وهذا لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، وقاله في قتال بين المسلمين يوم صفين، فكيف بالقتال مع الكفار والجهاد.
وقد رود عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي قال: (إذا التقى الصفان، اهبط الله الحور العين إلى السماء الدنيا، فإذا رأين الرجل يرضين مقدمه، قلن اللهم ثبته، فإن نكص احتجبن منه، فإن هو قتل نزلتا إليه فمسحتا التراب عن وجهه وقالتا: اللهم عفر من عفره وترب من تربه) رواه ابن المبارك وعبد الرزاق موقوفا عليه، وإسنادهما صحيح، وعبد الله تابعي مشهور، وهذا فضل عظيم زائد على ما تقدم.
وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ذكر الشهداء عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيليهما في براح من الارض، وفى يد كل واحدة منهما حلة، خير من الدنيا وما فيها) رواه ابن ماجه وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه.
قال ابن النحاس في المشارع:"الظئر بكسر الظاء المعجمة بعدها همزة ساكنة وراء هي المرضع، والفصيل ولد الناقة قبل أن ينفصل عنها، والبراح بفتح الباء الموحدة وبالحاء المهملة هي الأرض المتسعة التي ليس فيها زرع ولا شجر، ومعناه أن زوجتي الشهيد من الحور العين تبتدرانه قبل أن يجف دمه، كما تبتدر الناقة المرضع ولدها الضال إذا وجدته مع شدة شوقها إليه في أرض متسعة ليس فيها شيء يحول بينه وبينها من بناء ولا غيره وقوله: أضلتا بالضاء كما تقدم معناه وقال بعضهم بالظاء، ومعناه أن زوجتيه من الحور العين تحنوان عليه وتظلانه كما تحنو الناقة المرضع على فصيلها، وتظله من الشمس وغيرها في أرض ليس فيها ما يقيه ذلك الحر من بناء أو شجر ونحو ذلك والله أعلم"انتهى كلامه.
قال الذهبي في السير:"سعد بن إبراهيم الزهري عن أبيه، عمن حدثه: سمع عمارا بصفين يقول: أزفت الجنان، وزوجت الحور العين، اليوم نلقى حبيبنا محمدا - صلى الله عليه وسلم -"انتهى.
روى ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن خالد بن معدان قال حدثت أن الحور العين إذا كان زحف تزين وتطيبن ونزلن حتى يكن كالصفوف قال فتقول لصويحباتها: أما ترين زوجي كيف غلب أزواجكن فإن حمل عليه فانكشف استحيت وغطت وجهها وقالت واسوأتاه. وإن قتل أخذته فلم تدع قطرة من دمه إلا جعلته في كفها ثم ضمته إلى نحرها.