إذا الحروب أقبلت تلهّب
قال: وبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، قال سلمة: فخرجت فإذا نفر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه، قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من قال ذلك؟) قال قلت: ناس من أصحابك، قال: (كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين) رواه مسلم.
وقد كان الصحابة إذا وقع أحد منهم في خطيئة واستعظمها، لم ير طريقا أمثل وأفضل من الشهادة في سبيل الله في تكفير خطيئته التي وقع فيها، فيذهب ليطلبها ليكفّر ما أسلف.
فقد روى ابن اسحاق في سيرته فقال: وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه يومئذ:(إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، ولا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها) قال: فقال أبوحذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العبّاس، والله لئن لقيته لألحمنه السيف - قال ابن هشام: ويقال لألجمنه السيف - قال: فبلغت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لعمر بن الخطاب (يا أبا حفص - قال عمر: والله إنه لأول يوم كنّاني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي حفص - أيضرب وجه عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف؟) فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفّرها عنّي الشهادة، فقُتل يوم اليمامة شهيدا) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
وذلك لما علموه عن الشهادة من أنها يغفر بها جميع الذنوب الكبير منها والصغير، ولا يزال هذا الأمر وهو طلب مغفرة الذنوب بالشهادة لمن وقع في الذنوب وأسرف على نفسه مستمر من بعد الصحابة على مر الأزمان إلى وقتنا المعاصر، فكثير هم الذين ينفرون إلى الجهاد وطلب الشهادة لكي تغفر ذنوبهم السالفة، وخصوصا ممن أسرف على نفسه، وقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عتبة بن عبد