فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 672

قال ابن النحاس في المشارع:"ولو لم يكن في القتل الذي تفر منه إلا الراحة من سكرات الموت لكان في ذلك ما يوجب الثبات، وإن لم تنظر إلى ما بعده وهو الفوز العظيم، وما أحسن قول من قال:"

وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ** ونترك أخرى ُمرة نذوقها"انتهى كلامه"

وهذا الحديث عام في أي طريقة يقتل بها الشهيد، فلو قُطّعت أطرافه، أو أُحرق جسده، أو تمزّق أشلاء وتقطّع إربا، أو أنصف جسده، أو خرّقه الرصاص، أو قُطع رأسه وحُزّ، أو أي قتلة قتل بها الشهيد فهو لا يجد إلا كألم القرصة، وهذا فضل عظيم لا تعرف مكانته إلا عند الموت، وعند ذوق الألم والسكرات، فحينئذ يندم المرء ولات ساعة مندم، ويتمنى أن لو قتل في سبيل الله تعالى ألف مرة ولا ذاق هذا الألم وهذه الميتة.

ومن قرأ فضائل الشهيد التي تكون له عند احتضاره في الدنيا وقبل خروج روحه، من رؤيته لمقعده في الجنة، وهذا فضل كاف في أن يصرف عنه ألم القتل ولا يحس به، فكيف إذا انضاف إليه تظليل الملائكة عليه، وإكرامهم له عند موته، فكيف إذا انضاف إلى ذلك نزول الحور العين وحضورهن لاحتضاره، فهل يبقى ألم بعد ذلك؟ كلا، فلن تجده إلا متمتعا سعيدا غاية السعد، وحق له ذلك، ولئن كانت النساء عندما رأين نبي الله يوسف قطّعن أيديهن ولم يحسسن بالألم مع ذلك لرؤيتهن جمال يوسف عليه الصلاة والسلام، فكذا الشهيد لا يحس بألم القتل مع رؤيته لمقعده والحور والملائكة الكرام التي تبشره بما له عند الله من الزلفى.

والقصص الواقعية للشهداء تشهد بهذا، فمن ذلك:

ذكر ابن النحاس:"أن بعضهم كان يقول: اللهم اخدعني عني - يريد خذني بغته من غير أن أقاسي ألما - فخرج يوما للنزهة ونام في بستان، ففاجأه قوم من الكفار وحزّوا رأسه، فرآه بعض معارفه في النوم وسأله عن حاله، فقال: نمت في البستان، ففتحت عيني فإذا أنا في الجنة"انتهى.

وكذا أحمد بن نصر الخزاعي الذي قتله الواثق لكي يقول بخلق القرآن فأبى، قال عنه الذهبي في السير:"وقيل: رئي في النوم، فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله، فضحك إلي"انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت