وقد اختلفت عبارات السلف في وصف الموت وآلآمه، فمنهم من يقول كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل، فأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ وبقي ما بقي، ومنهم من يقول كشاة تسلخ وهي حية، ومنهم من يقول إنه أشد من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض.
ولما احتضر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عانى من سكرات الموت، وكان يدعو بأن يعينه الله تعالى عليها، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات) وورد أيضا أنه كان يُغشى عليه من سكرات الموت.
والمتعارف عليه عند الناس أن الموت الطبيعي أهون من القتل من حيث ألم الموت، فالقتل أشد ألما، ولكن الشهيد يهون عليه الأمر، فلا يجد من ألم القتل وسكرات الموت إلا كما يجد أحدنا من ألم القرصة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الألباني: (حسن صحيح) في صحيح الترمذي، وصححه أحمد شاكر.
والقرصة قيل: هي عضة النملة، وقيل: هو أخذ لحمة الإنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، ولسع البراغيث، وكلها ألمها متقارب، لا يكاد يُذكر، ولا يجزع منه حتى الطفل.
قال المناوي في الفيض:"وعبر بإداة الحصر دفعا لتوهم أن ألمه يفضل على ألمها، وهذا تسلية لهم عن هذا الحادث العميم والخطب الجسيم، وتهييج للصبر على وقع السيوف والحتوف".
وقال أيضا:"يعني أن الله تعالى يهون عليه ويكفيه سكراته وكربه، بل رب شهيد يتلذّذ ببذل نفسه في سبيل الله طيبة بها نفسه، كقول خبيب حين قتل: ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي".
وقال أيضا بعد أن وصف شدة الموت بالنسبة للناس:"ويستثنى من ذلك الشهيد فإنه إنما يجد ألمه كما يجد غيره ألم القرصة"انتهى كلامه.