6 -وعندما قُتل النعمان بن مقرن رضي الله عنه في معركة نهاوند قال أخوه معقل: (هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة) رواه ابن حبان.
هذه بعض الآثار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم، وروي مثلها عن التابعين ومن بعدهم، وبمثلها قال كثير من العلماء المُحققين كالذهبي في السير والحافظ ابن حجر في تراجمه وكذا غيرهم من العلماء كثيرا ما يطلقون وصف الشهادة على من حصل له سبب من أسبابها.
مناقشة الأدلة والأقوال:
أما تبويب البخاري -رحمه الله- بقوله: لا يقول: فلان شهيد، فقد قال ابن حجر معقبًا في الفتح:"أي على سبيل القطع بذلك"، ثم قال:"وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة، ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب، والله أعلم".
قال الطاهر بن عاشور - رحمه الله - عن ترجمة البخاري هذه:"هذا تبويب غريب، فإن إطلاق اسم الشهيد على المسلم المقتول في الجهاد الإسلامي ثابت شرعًا، ومطروق على ألسنة السلف فمن بعدهم، وقد ورد في حديث الموطأ، وفي الصحيحين: أن الشهداء خمسة غير الشهيد في سبيل الله، والوصف بمثل هذه الأعمال يعتمد على النظر إلى الظاهر الذي لم يتأكد غيره، وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسناد وتعليق ما يقتضي منع القول بأن فلانًا شهيد، ولا النهي عن ذلك."
فالظاهر أن مراد البخاري بذلك أن لا يجزم أحد بكون أحد قد نال عند الله ثواب الشهادة؛ إذ لا يدري ما نواه من جهاده، وليس ذلك للمنع من أن يقال لأحد: إنه شهيد، وأن يجرى عليه أحكام الشهداء، إذا توفرت فيه، فكان وجه التبويب أن يكون: باب لا يجزم بأن فلانًا شهيد إلا بإخبار من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مثل قوله في عامر بن الأكوع (إنه لجاهد مجاهد) ومن هذا القبيل زجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أم العلاء الأنصارية حين قالت في عثمان بن مظعون: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لها - صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك أن الله أكرمه؟) انتهى كلامه من كتاب النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح.