وجه الدلالة: أنه نهى عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، وأن ذلك لا يجوز أن يقال إلا على سبيل الإجمال، وكانت خطبته هذه في جمع من الصحابة رضي الله عنهم ولم يُعلم له مخالف.
6 -وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إياكم أن تقولوا: مات فلان شهيدًا، أو قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه ... ) رواه أحمد.
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: (إياكم والشهادات، فإن كنتم فاعلين فاشهدوا لسرية بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فأصيبوا، فنزل فيهم: أن بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
ولكن له شاهد بإسناد صحيح عند سعيد بن منصور عن عبد الله بن معقل قال:"كنا قعودا عند عبد الله بن مسعود، فقال رجل من القوم قتل فلان شهيدا، فقال عبد الله: وما يدريك أنه قتل شهيدا؟ إن الرجل يقاتل غضبا ويقاتل حمية ويقاتل رئاء، إنما الشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا".
القول الثاني:
ذهب إلى جواز تسمية المقتول في سبيل الله وغيره ممن مات بسبب من أسباب الشهادة بـ (شهيد) ولو بالتعيين، بناء على الحكم الظاهر المبني على الظنّ الغالب، وذلك لمن اجتمعت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع في الأعمال البدنية الظاهرة دون الأعمال الباطنة كالإخلاص مثلًا، كما يُطلق الأطباء لفظ الصحة ومقصودهم سلامة الجسد، دون سلامة النفس من فساد العقائد والأخلاق، وهذه شهادة على ظاهر أمرهم من الإيمان، وإقام العبادات، والجهاد في سبيل الله، واستدامة ذلك إلى أن قتلوا في مجاهدة الكفار؛ فلا مانع من إطلاق لفظة (شهيد) لمن هذه حاله، ونكل سرائره إلى الله تعالى، مع أننا لا نجزم له بهذه الشهادة عند الله ولأننا قد أمرنا بالحكم الظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم.
قال ابن عبد البر -رحمه الله- في الاستذكار:"إن الحكام إنما يقضون في التعديل والتجريح عند الشهادات بما يظهر ويغلب، ولا يقطعون على غيب فيما به من ذلك يقضون، ولم يكلفوا إلا العلم الظاهر، والباطن إلى الله عز وجل".