فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 672

وروى ابن المبارك عن مقسم مولى ابن عباس قال: (بينما أنا جالس في بيت المقدس ومعي رجل، إذ أقبل إلينا رجل، فقال له صاحبي: مرحبا بأبي إسحاق، فلما جلس قلت لصاحبي: من هو؟ قال: كعب الأحبار، فقلت: حدثنا رحمك الله، فقال: ينتهي الإثم إلى أن يشرك العبد بالله عز وجل وينتهي البرُّ إلى أن يهراق دم العبد في الله عز وجل، والشهداء ثلاثة: رجل خرج من بيته لا يحب الشهادة ويحب الرَّجعة، فيهدي الله عز وجل له سهم غرب، فذلك أول قطرة من دمه يغفر الله عز وجل له بها كل خطيئته خطئها، ويرفع بكل قطرة من دمه درجة حتى ترقأ آخر قطرة من دمه، ورجل خرج من بيته يحب الشهادة ويحب الرجعة، فباشر القتال فذلك تمس ركبته ركبة إبراهيم الخليل في الرفيع، ورجل خرج من بيته يحب الشهادة ولا يحب الرجعة، فباشر القتال، فذلك كملك شاهر سيفه في الجنة يتبوأ منها حيث شاء، ما سأل أعطي، ولمن شفع شفع) رواه ابن المبارك بإسناد صحيح كما قال ابن النحاس.

وهذا يدل على أن أعلى البرّ الشهادة في سبيل الله، وأحب الأشياء إلى الإنسان نفسه التي بين جنبيه ومن أنفق مما يحب فقد نال البرّ كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران، فكيف إذا أنفق الإنسان أحب ما يحب وأغلى ما يملك، فلا شك أنه نال بذلك أعلى البر، وكلما ازداد حب الإنسان لنفسه عندما يضحي بها، كلما كان أعظم لأجره، ولهذا ورد في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) رواه البخاري، وذلك لزيادة المشقة.

وقد ورد في ذلك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسا وقبر يحفر بالمدينة، فاطّلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بئسما قلت) قال الرجل: إني لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها منها ثلاث مرات) رواه مالك مرسلا.

قال ابن عبد البر في الاستذكار:"لا أحفظ لهذا الحديث سندا لكن معناه محفوظ في الأحاديث المرفوعة"انتهى، وهو كما قال، فالقتل في سبيل الله لا مثل له من الأعمال، وإذا كان مطلق الجهاد لا يعدله شيء من الأعمال، والذي يعدل من الأعمال من دوام الصلاة والصيام لا يقدر عليه كما ورد، فما بالك بالشهادة التي هي أعظم وأعظم، وقال أيضا"وفيه أن القتل في سبيل الله أفضل الفضائل أو من أفضل الفضائل إذا كان على سنته وما ينبغي فيه"انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت