فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 672

وأيضا الشهداء من أعظم الناس صبرا وزهدا، أما الصبر فهم صبروا أنفسهم على القتال والقتل، وهو أكبر شئ عليهم حتى قُتلوا، ولم يفرُّوا مع أنه بإمكانهم ذلك، ولا صبر أعظم من هذا، ومن يصبر على الموت؟

وأما الزهد، فلا زهد في الدنيا أعظم من زهد الشهيد، ولا حتى زهد العباد، فلا يبلغون مبلغ زهد الشهيد، فالشهيد زهد في الدنيا فتركها، وأثبت دليلا على زهده، وهو تركه للحياة بأجمعها، وبحثه عن الموت، وأيضا زهد الشهيد في أعظم محبوب إلى النفوس وهو النفس وتقديمه لها لله تعالى، فلا زهد أعظم من هذا.

قال المناوي في الفيض:"ولا زهد أفضل من بذل النفس في سبيل الله"انتهى كلامه.

ويؤيد هذا ما ورد عن أبي وائل قال: (سمع عبد الله - يعني ابن مسعود - رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فقال عبد الله: أولئك ذهبوا، أصحاب الجابية، اشترط خمسمائة من المسلمين أن لا يرجعوا حتى يُقتلوا، فحلقوا رؤوسهم، فلقوا العدو فقُتلوا إلا مخبرا عنهم) قال الهيثمي"رواه الطبراني وفيه علي بن عاصم وهو كثير الخطأ وبقية رجاله ثقات".

فوسمهم بأنهم الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة لإقدامهم على الموت والشهادة في سبيل الله.

قال ابن القيم في النونية:

وشجاعة الفرسان نفس الزهد في ** نفس وذا محذور كل جبان.

وأيضا الشهيد من أعظم الناس جودا، فإن الجود يقاس بكثرة الإنفاق، ويقاس بثمن المنفق وغلائه عند صاحبه، فإن كان المنفق غاليا وقيمته ثمينة كان أعظم في الجود، وليس فوق إنفاق النفس التي هي أغلى ما يملك الإنسان منفق أعظم منها، فهي أعظم من إنفاق الأموال والممتلكات مهما بلغ ثمنها، فمن جاء بها فهو أعظم الناس جودا، قال الشاعر:

يجود بالنفس إن ضنّ الجبان بها ** والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وقال المفضل بن المهلب:

هل الجود إلا أن تجود بأنفسٍ ** على كل ماضي الشفرتين قضيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت