وقد تعرض الكلابي للشهادة فلم يقتل فأنشأ يقول:
إن تدعو كريما من يجود بماله ** ومن جاد بالنفس النفيسة أجود
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة التي رجمت: (وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها الله تعالى) أخرجه مسلم، وهي مع ذلك مستحقة لهذا الرجم، فكيف بمن تبرع بنفسه ابتداء تضحية في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، فلا شك أنه أعظم جودا.
وورد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن الأجود، الله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علما فانتشر علمه يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى يُقتل) رواه أبو يعلى بإسناد ضعيف كما ذكر البوصيري في الإتحاف، ولكن معناه صحيح في الذي ذكرنا.
فيامن كان وصفه القعود عن الجهاد هل تجود بنفسك لله أم تبخل على نفسك، فإن الله غني عنك وعن نفسك، والمستفيد الأول والأخير من هذا هو أنت، فجهادك وتضحيتك لنفسك، أما الله تعالى فهو غني عنك، وليس بحاجة إليك ولا إلى أحد من خلقه، بل هو الغني لذاته، قال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} العنكبوت.
وقال: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد.
قال شيخ الإسلام في المجموع:"ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة، كما في قوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) وفيه سنام التوكل، وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل؛ ولهذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42 ) ) وقال (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) "ثم قال:"وفى الجهاد أيضا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفى الدار الدنيا"انتهى كلامه.