فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 672

أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عزوجل: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) قال أبو هريرة: ومن بله ما قد أطلعكم الله عليه، اقرأوا إن شئتم (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال: وكان أبو هريرة يقرؤها (من قرات أعين) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

قال السندي في حاشيته على ابن ماجه في معنى (بله) :"قيل هو بموحدة مفتوحة وسكون لام وفتح هاء، بمعنى دع أي دع ما أطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموها من لذاتها فالذي لم يطلعكم عليه أعظم وأعلى"انتهى كلامه.

فهذه الفضائل بالنسبة لما أخفي - كما وصف - غيض من فيض، ورذاذ من وبل، ورشاش من سجل، وشرارة من نار، وقراضة من دينار، وقطرة من نهر، ووشل من بحر، ومهما تخيل المسلمون فضل الشهادة واعتقدوا فيها فهي فوق ما تخيلوا واعتقدوا، وفوق ما حفظوا من فضائلها، ويدل على ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة) رواه مسلم.

ولنضرب مثلا يوضح هذا، لو أن رجلا دخل تجارة وظن أنها ستربحه ألف دينار، ولم يعتقد الزيادة على الألف، وكان مترددا خائفا من الخسارة، فربح من جراء هذه التجارة ألف ألف، وتبين له أن لا خسارة فيها، وأنها آمنة، ماذا ستراه يتمنى؟ سيتمنى أن لو يرجع في صفقته تلك مرة أخرى، ومرات عديدة، بل ويضاعف رأس المال كي يربح أكثر، فكذا حال الشهداء اعتقدوا فضائل معينة ومحدودة، ولم يصلوا إلى درجة عين اليقين التي يشاهدون بها ما أعد لهم من الفضائل حتى يزدادوا طمأنينة في أمان طريق الشهادة ووصولهم إلى فضائلها، فإذا وصلوا وعاينوا أضعاف ما أعتقدوا وحفظوا من النعيم والفضائل تمنوا الرجوع كي يقتلوا أكثر من مرة.

ونحب أن ننبه على أمر، أن كل فضل ثبت لشهيد الآخرة لشهادته فهو ثابت لشهيد المعركة، وذلك لاشتراكهما في مسمى الشهادة، ورفعة شهيد المعركة عليه، ولا عكس في ذلك، فليس كل ما ثبت لشهيد المعركة فهو ثابت لشهيد الآخرة، لعلو الأول على الثاني، ونقصد بشهيد الآخرة من حصلت له شهادة الآخرة بلا سبب من أسباب التفاضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت