فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 672

رأسا، وعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق، وهو متحل بهذا منشرح الصدر به يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، حتى إن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول فزت ورب الكعبة، ويستطيل الآخر حياته حتى يلقي قوته من يده، ويقول إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى أكلها، ثم يتقدم إلى الموت فرحا مسرورا"انتهى كلامه."

وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه للفرس: لقد جئتكم برجال يحبون الموت كما تحب فارس الخمر.

وقال هو أيضا: (ما ليلة تهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أو أبشر بغلام، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية أصبح فيها العدو، فعليكم بالجهاد) رواه ابن المبارك وأبو يعلى، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.

قال الذهبي في السير:"وروى محمد بن عمران، عن حاتم الأصم قال: كنا مع شقيق، ونحن مصافو العدو الترك، في يوم لا أرى إلا رؤوسا تندر، وسيوفا تقطع، ورماحا تقصف، فقال لي: كيف ترى نفسك، هي مثل ليلة عرسك؟ قلت: لا والله، قال: لكني أرى نفسي كذلك، ثم نام بين الصفين على درقته حتى غط، فأخذني تركي، فأضجعني للذبح، فبينا هو يطلب السكين من خفه، إذ جاءه سهم عائر ذبحه."

قال طليحة الأسدي لما رأى انهزاما من أصحابه في معركته مع خالد بن الوليد في حرب الردة: ما يهزمكم؟ فقال رجل: أنا أحدثك ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه"انتهى من سير أعلام النبلاء."

وأنا هنا أعجب ويزداد عجبي من شخصين:

الأول: رجل قد قرأ فضائل الشهادة ولم يَهِم بها، ولا تحركت نفسه لطلبها، وهو يدعي الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهو إمَّا رجل قد بلغ الحضيض في دناءة الهمة وخستها، أو رجل ميت القلب لا يشعر بما يقرأ.

الثاني: رجل يدعي عشق الشهادة وحبها، وهو لا يعرف أكثر فضائلها، بل إذا حدث عن فضائلها لم يرفع بذلك رأسا، ومن أحب أمرا حرص على معرفة أي شئ عنه، حتى ولو كان من الأوصاف التافهة، فكيف بفضائل الأمر الذي أحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت