فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 672

إن كنت عن خير الأنام سائلا ** فخيرهم أكثرهم فضائلا

ألا وإن من الأمور ذات الفضائل الكثيرة والعظيمة الشهادة في سبيل الله، بل لم يرد في فضائل الأعمال مثل ما ورد في فضل الجهاد والشهادة كثرة وعظمة مطلقا، قال المناوي في الفيض"الشيء إنما يفضل ويشرف بشرف ثمرته"انتهى كلامه، وما تثمره الشهادة من الفضائل أمر عظيم فهذا يدل على فضلها وشرفها، بشرف فضائلها.

فحق لمن عرف فضائلها أن يهيم في حبها وعشقها، وأن يحترق قلبه شوقا إليها، وأن يجهد نفسه في طلبها، ويسابق غيره في تحصيلها، وهي أهل لذلك، بل لو أفنى الإنسان عمره في ذلك لكان قليلا في حقها، بل إن الشخص إذا عرف فضائلها لتتقاصر نفسه وتتحاقر عن أهليته لهذه المنزلة ذات الفضائل الكثيرة، كما تتحاقر نفس القبيح التافه عن الحسناء الجميلة الرفيعة أن يكون أهلا لها، ولولا فضل الله الواسع لما أقدم على طلبها.

هذا وقد جمعت الشهادة في فضائلها بين الكثرة والعظمة، فلم تقل ولم تصغر مع كثرتها، وهذا قلما يجتمع في الوجود.

ولكثرة فضائل الشهادة كثر عاشقوها وطالبوها، فعشقوها وفيها أبغض شيء إلى النفوس وهو الموت، وطلبوها وفيها من المتاعب والمشاق والعوائق مالا يعبِّر عنه اللسان ولا يستطيع خطه البنان، وما ذاك إلا أن فضائلها العظيمة الوفيرة قد أعمت البصر والفؤاد عن رؤية هذا الأمر، وجعلهم يستسهلون الصعاب ويستسيغون المكروه رغبة في تحصيلها، ولا تجد في الأعمال الصالحة الأخرى من يحبها كما يحب طلاب الشهادة للشهادة، وذلك لإن حبهم لها قد بلغ مرحلة عظيمة من المخاطرة بالنفس والمال في سبيل تحصيلها، فلله كم لها مِن قتيل وسليبٍ وجريح، وكم أُنفِقَ في حبها من الأموال والأرواح، وَرَضِيَ المحب بمفارقةِ فِلَذِ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه لو ظهر سلطان المحبة في قلبه أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم

يستعذبون مناياهم كأنهم ** لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا

قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة:"لكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلها والخروج منها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت