وكذا من أدان دينا بحق وترك وفاء له وأوصى ولم يفرط في أدائه، فإنه لا يحبس صاحبه عن الجنة، والدليل على ذلك قصة عبد الله بن حرام رضي الله عنه، فإنه قد استشهد وعليه دين وترك وفاء وأوصى ابنه جابر، ومع ذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كلم الله كفاحا، فعن جابر بن عبداللّه- رضي اللّه عنهما- قال: لما حضر قتال أُحد دعاني أبي فقال: إني لا أراني إلا مقتولًا في أول مَنْ يقتل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وإني واللّه ما أترك أحدًا أعزَّ عليَّ منك بعد نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن عليَّ دينًا فاقض ديني واستوص بإخوتك خيًرا، قال: فأصبحنا فكان أول قتيل، قال: فدفنته مع آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر في قبر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير هنيهة عند أذنه"رواه مسدد في مسنده والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، فهذا في الوصية."
وأما في ترك الوفاء، فروى النسائي وأبو يعلى عن جابر رضي الله عنه قال: كان ليهودي على أبي دين تمر، وترك أبي حديقتين، وتمر اليهودي يستوعب الحديقتين، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (هل لك أن تأخذ العام بعضا وتؤخر بعضا إلى قابل؟) فأبى اليهودي، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: (يا جابر إذا حضر الجداد فآذنِّي) فآذنته، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر فجعل يكال له من أسفل النخل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بالبركة، فوفيناه حقه، قال عمار: أراه من أصغر الحديقتين، قال: ثم أتيناهم برطب، فأكلوا وشربوا، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (هذا من النعيم الذي تسألون عنه) وصحح إسناده الألباني في صحيح النسائي.
وقد جاء عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاهدت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: (نعم إلا أن يكون عليك دين، ليس عندك له وفاء) رواه أبو يعلى وأحمد والبزار، قال الهيثمي وإسناد أحمد حسن.
فإن قيل: وإذا حبس الشهيد فماذا بعد الحبس؟
الجواب: أنه يحبس حتى يكون يوم القيامة، فيقتص الدائن من المدين بالحسنات والسيئات، فإنه يوم القيامة ليس هناك درهم ولا دينار، فإن استوفى الدين حسناته طرح عليه من سيئات الدائن حتى يستوفي الدائن حقه ثم يكون تحت المشيئة إن شاء غفر الله له وإن شاء عذبه، لأنه لا يبقى له حسنة ولا يكون له إلا السيئات.
وذلك كما ورد عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أتدرون ما المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام