وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم.
وهذا يدل على خطورة الأمر والدين وحقوق الآدميين، فإن الشهادة مع كونها منزلة عظيمة ودرجة عالية تغفر جميع الذنوب، ولا تغفر حقوق الآدميين، وقد سبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسم أنه لو قتل الرجل ثلاث مرار، وحصلت له ثلاث شهادات، لم يدخل الجنة حتى يقضى دينه، وهذا أمر خطير فيجب على من طلب الشهادة أن يبرئ ذمته من الديون قبل طلبها، وقبل أن يخرج، حتى تغفر له جميع الذنوب ولا يحبس عن الجنة، ولا يطالبه أحد يوم القيامة، ويكون له أجره وافرا.
فإن قيل: إن ضمن أحد سداد دين الميت هل تبرأ ذمة الميت بمجرد الضمان أم لا تبرأ إلا بسداده؟
الجواب: أنه لا تبرأ ذمة الميت بمجرد الضمان، بل لابد من السداد، وذلك لما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خطوة، ثم قال: (أعليه دين؟) قلت: ديناران، فانصرف، فتحملها أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منها الميت؟) قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: (ما فعل الديناران؟) قلت: إنما مات من الأمس قال: فعاد إليه من الغد قال: قد قضيتهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت عليه جلدته) رواه أحمد والبزار والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
فإن قيل: ديون الله التي على الميت من الزكوات والكفارات وغيرها هل تغفر للشهيد ولا تمنع من دخول الجنة؟
الجواب: قال المناوي في الفيض عند قوله - صلى الله عليه وسلم - (إلا الدين) قال:"وظاهر أن المراد بالدين دين الآدمي لا دين الله"انتهى كلامه، وذلك أن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة.