قال القرطبي في تفسيره:"الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤده، أو ادَّان في سرف أو في سفه ومات ولم يوفه، وأما من ادَّان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين، قال - صلى الله عليه وسلم: (من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته) انتهى كلامه."
وقال القرطبي في التذكرة بعد هذا الكلام:"فإن لم يؤد عنه السلطان، فإن الله يقضي عنه ويرضي خصمه"ثم ذكر الدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الحافظ في الفتح:"قال ابن بطال: فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة، لإنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال، ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا، قلت: والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة، وهو كمن له حق وعليه حق، وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فيحمل قوله لا يحبس أي معذبا مثلا والله أعلم"انتهى كلامه.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الحافظ في الفتح:"فقد نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه، إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة"وقال أيضا:"قوله (أدى الله عنه) وفي رواية الكشميهني (أداها الله عنه) ولابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة (ما من مسلم يدين دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا) وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاة بغير تقصير فيه، كأن يعسر مثلا، أو يفجأه الموت وله مال مخبوء وكانت نيته وفاء دينه، ولم يوف عنه في الدنيا، ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب، والظاهر أنه لا تبعة عليه والحالة هذه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب، وإن خالف في ذلك ابن عبد السلام والله أعلم"انتهى كلامه.