والكيل أمانة، وأشياء عددها، وأعظم ذلك الودائع، فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود قال: كذا قال كذا قال: صدق أما سمعت الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) ) رواه البيهقي في الشعب، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، فهذا يؤيد ما سبق من عدم مغفرة التبعات على الشهيد، فإن الأمانة والودائع من التبعات، أما قوله في نفس الحديث"الصلاة أمانة"فهذا صحيح وتدخل في الأمانة، ولكنها تبقى من حقوق الله تعالى، والشهيد يغفر له كما سبق في الفضائل جميع الحقوق التي بينه وبين الله تعالى، أما غيره فيحاسب عليها.
وقال القرطبي في تفسيره:"فإن قيل فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل ولا تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتم ولا يكونون في قبورهم فأين يكونون؟"
قلنا: قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا) فلعلهم هؤلاء والله أعلم"انتهى كلامه."
ويؤيد هذا وأن هذا الحديث محمول على الشهداء الذين عندهم مانع يمنعهم من دخول الجنة أنه ورد في حديث سمرة رضي الله عنه عند الطيالسي والطبراني عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن صاحبكم محبوس بباب الجنة بدين عليه) وصححه الألباني في الصحيحة، فهذا يدل على أن من عليه دين يحبس بباب الجنة، ويدل على أن الشهداء فضلوا على غيرهم في هذا الحبس بكونهم على نهر، وخروج رزقهم إليهم بكرة وعشيا، وكونهم في قباب، والله أعلم.
قال المناوي على حديث (الشهداء على بارق نهر ... ) قال:"وهذا في الشهداء الذين حبسهم عن دخول الجنة تبعة، فلا ينافي ما (جاء في) أحاديث أخرى أن أرواحهم في جوف طيور خضر تسرح في الجنة أو في قناديل تحت العرش"انتهى كلامه، وما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
فإن قيل: هل كل دين يحبس به صاحبه عن الجنة؟
فالجواب: أنه ليس كل دين يحبس صاحبه عن الجنة، فقد يستشهد الشخص وعليه دين، ويدخل الجنة مع ذلك.