رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت؟) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك) رواه مسلم، وفي رواية الطيالسي زاد (إلا الدين فإنه مأخوذ به) .
والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن الشهيد يحبس عن دخول الجنة بدينه، لأنه قد يستوفي الدين والتبعات التي عليه أجوره وحسناته ولا يبقى له حسنة، فيكون تحت المشيئة وقد يدخل النار بسبب ذلك والعياذ بالله، كما في حديث (أتدرون من المفلس) وليس في الشرع شخص يدخل النار بعد دخول الجنة، بل من يدخل الجنة فإنه لا يدخل النار أبدا، ويلحق بالدين في الحكم والمنع وعدم المغفرة سائر حقوق الآدميين والتبعات، كالغصب والسرقة والقتل والضرب، فإنها أشد من الدين، فإن فعلها محرم والدين مباح.
قال الحافظ في الفتح:"وأما الحديث الآخر الصحيح"أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تغفر التبعات، وحصول التبعات لا يمنع الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن الله يثيب من حصلت له ثوابا مخصوصا، ويكرمه كرامة زائدة، وقد بين الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات، فلو فرض أن للشهيد أعمالا صالحة، وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة، والله أعلم"انتهى كلامه."
وقال القرطبي في تفسيره:"قال علماؤنا: ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدين، فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة"انتهى كلامه.
وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة - وإن قتل في سبيل الله - فيقال أدِّ أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا، قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية ويمثل له أمانته، كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة والوضوء أمانة و الوزن أمانة