وكذا هشام بن العاص رضي الله عنه، فروى البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما اجتمعنا للهجرة، اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا الميعاد بيننا التناضب من أضاة بني غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فليمض صاحباه، فأصبحت عنده أنا وعياش بن أبي ربيعة، وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، وقدمنا المدينة، فكنا نقول ما الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا، وكانوا يقولون لأنفسهم، فأنزل الله عز وجل فيهم (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله .... ) إلى قوله (مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) قال عمر رضي الله عنه: فكتبتها بيدي كتابا ثم بعثت بها إلى هشام، فقال هشام بن العاص: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فجعلت أصعد بها وأصوب لأفهمها، فقلت: اللهم فهمنيها، وفرقت إنما أنزلت فينا لما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقتل هشام شهيدا بأجنادين في ولاية أبي بكر رضي الله عنه.
3.الدين:
وهو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وقد يفهم بعض الناس أن الدين مانع من الشهادة، لأنه ورد في الحديث أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، والعلماء اشترطوا إذن الدائن عند الخروج للجهاد، وهذا الفهم خطأ، فالدين ليس بمانع من درجة الشهادة، فمن قتل وعليه دين فهو شهيد، فإن بعض الصحابة الذين استشهدوا كان عليهم دين، ومع ذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم شهداء، كثابت بن قيس، وعبدالله بن حرام، والزبير بن العوام.
قال ابن حجر في الفتح:"وحصول التبعات لا يمنع الشهادة"انتهى كلامه.
وقال أيضا في بذل الماعون:"... إن وجود التبعات لا يمنع حصول الشهادة، لأن الشارع قد رتب الثواب على صفة معينة، فإذا حصلت للمؤمن عند موته حصل له ذلك الثواب، فضلًا من الله وإحسانًا ووفاءً بوعد الله، والله لا يخلف الميعاد، وليس للشهادة معنى إلا أن الله تعالى يثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا، ويكرمه كرامة زائدة، وقد بين الحديث أنه يكفر ذنوبه المتعلقة بحقوق الله تعالى، ويتجاوز عنه الإخلال بها، بأن يترك معاقبته عليها، فإذا فرض أن الشهيد له أعمال صالحة، وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير حقوق العباد، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من"