فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 672

الموت الذى فروا منه كثر فيهم، وقل في المقيمين، فما منع الهرب من شاء الله، والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل، بل الموت قلَّ في البلد من حين خرج الفارون، وهكذا سنة الله قديمًا وحديثًا.

ثم قال تعالى: (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون، فإن الموت لابد منه، وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل، وهذا جهل منه بمعنى الآية، فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلًا، لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا، ثم ذكر جوابًا ثانيًا: أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل، ثم ذكر جوابًا ثالثًا: وهو أن الفار يأتيه ما قُضي له من المضرة، ويأتى الثابت ما قُضي له من المسرة، فقال: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) الآية وقوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة، فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد لما احتضر: لقد حضرت كذا وكذا صفًا، وإن ببدني بضعًا وثمانين، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشى كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء"."

وقال أيضا"قد ذكر ـ تعالى ـ في ضمن آيات الجهاد ذَمَّ من يخاف العدو، ويطلب الحياة، وبين أن ترك الجهاد لا يدفع عنهم الموت، بل أينما كانوا أدركهم الموت، ولو كانوا في بروج مُشَيَّدة، فلا ينالون بترك ال جهاد منفعة، بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا والآخرة"انتهى كلامه.

وقال صاحب أضواء البيان فيه على آية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} البقرة، قال: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لإنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب بن أم صاحب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت