فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 672

وإنما خفيت صورة هذا المقصد ولم تظهر، لغلبة اهتمامه بما هو فيه، واستيلائه على قلبه، وشدة تمنيه لزواله، فانعدم شهود غيره من المقاصد معه لذلك، كما انعدم شهود القمر مع الشمس، لغلبة نورها عليه، ودل على وجود قصد القربة سماحته بنفسه في هذا الوجه دون غيره، كما دلت رؤية القمر في منزلته عند غروب الشمس على أنه كان موجودا معها بما قطعه في سيره في النهار، وإن كان لا يظهر له معها وجود، وكما يدل نبض المحموم أو ماؤه على داء باطن غير الحمى لا يدركه صاحبه، ولا يظهر إلا للطبيب الحاذق، وإن كانت الحمى ظاهرة لكل أحد"انتهى كلامه."

وهنا مسألة: قال ابن النحاس في المشارع:"فإن أنشأ قصد الجهاد بالنية الخالصة، فلما تراءى الجمعان وصف الناس للقتال، عزبت عنه النية الخالصة التي كان عقدها في أول شروعه، ولكن لم يرد ما ينافيها؟"

فالذي يظهر أن النية الأولى تكفيه، وإن لم تقارن أول شروعه في القتال، وقد صرح بذلك العلامة ابن دقيق العيد فإنه قال في قوله - صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) مفهوم الحديث الاشتراط، لكن إذا قلنا بذلك، فلا ينبغي أن نضيق فيه، بحيث نشترط مقارنته لساعة شروعه في القتال، بل يكون الأمر أوسع من هذا، ونكتفي بالقصد العام لتوجهه إلى القتال، وقصده بالخروج إليه إعلاء كلمة الله تعالى، ويشهد لهذا الحديث الصحيح بأنه يكتب للمجاهد استنان فرسه وشربها في النهر من غير قصد لذلك، لما كان القصد الأول إلى الجهاد واقعا لم يشترط أن يكون ذلك في الجزيئات، ولا يبعد أن يكون بينهما فرق، إلا أن الأقرب عندنا ما ذكرناه، من أنه لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص بعد أن يكون القصد صحيحا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، دفعا للحرج والمشقة، فإن حالة الفزع حالة دهش، وقد يأتي على غفلة، فالتزام حضور الخواطر حرج ومشقة"انتهى، وهو حسن إلا أن اشتراط عدم وجود ما ينافي النية الأولى، لابد منه كما تقدم، والله أعلم"انتهى كلامه.

قال المناوي في الفيض:"وهل يشترط مقارنة قصد الإعلاء للقتال، أو يكفي عند التوجه؟ رجح البعض الثاني، لكن أقول يشترط أن لا يأتي بمناف بينهما، كما هو ظاهر"انتهى كلامه.

هذا، والنيات سواء الصحيحة أو الفاسدة لا تنحصر، بل كثيرة كما تقدم، ولكن ذكرنا أكثرها وقوعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت