هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ** إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ** أغشى الوغى وأعف عند المغنم
واعلم أن المعرض عن نصيبه من المغنم، لا يخلو إما أن يتركه زهدا في الدنيا، وإما أن يتركه قطعا لمادة استشراف النفس، فإن تركه زهدا في الدنيا ورغبة في نيل أجره من الله تعالى كاملا من غير نقص، فهذا لا ينظر في أفضليته، وقد يكون أخذه والإيثار به في بعض المواطن ولبعض الناس أفضل وأسلم من تركه زهدا فيه، ولصحة القصد في الترك والأخذ موازين معروفة، لا نطول في تفاصيلها لاختلافها بحسب الاشخاص، وتعذر نظمها في أسلوب.
وإن تركه قطعا لمادة استشراف النفس إلى نيل الغنيمة، فحسن، لأنها إذا استشرفت إلى نيل الغنيمة وتوقعت وجودها كان ذلك نقصا في إخلاصها، وإن حكمنا بصحة القصد مع ذلك كما تقدم، وإن لم تستشرف ولكن تحققت أنه إذا حصلت غنيمة لا تمتنع منها، ربما خفيت دسيسة استشرافها وبطنت بحيث لا يدركها صاحبها، فإذا آيست من نيل الغنيمة قطعا كان وجود الغنيمة وعدمها سواء، وأمنت دسيستها في ذلك، فسلم الإخلاص، ولكن قد تخفى دسيسة الرياء في الترك أيضا، فينبغي التفطن لمثل ذلك، والاحتراز من الدسائس، فإن ذلك مما يتعين الاهتمام به، والتفتيش عنه، سيما في هذا الموطن"انتهى كلامه، وإنما نقلته بطوله لفائدته."
13.قال ابن النحاس في المشارع:"فإن غزا ليقتل، فيستريح مما هو فيه من ضعف مؤلم، أو دين لازم، أو فقر ملازم، أو شر يتوقعه، أو مصيبة تنزل به، ولم يخطر بباله التقرب إلى الله أو إعلاء كلمته، وكان بحيث لو عرض عليه قتل ظالم له، أو قطاع طريق، ونحوهم، أو موت بطاعون، ونحوه، لما رغب فيه، وإن كان يحصل له بكل ذلك الشهادة، والراحة مما هو فيه، فهذا مما للنظر فيه مجال، فيُحتمل أن يُقال:"
ليس بشهيد عند الله، إذ لم يتمحض قصد التقرب إلى الله تعالى وإعلاء كلمته، ويُحتمل أن يُقال: إنه شهيد، لكونه لم يسمح بنفسه إلا في هذا الوجه دون غيره، ورغبته فيه دون غيره، وإن كان شهيدا - أيضا - في قتل الظالم، أو قطاع الطريق، أو الطاعون ونحوه، يدل على قصد باطن في التقرب إلى الله تعالى، وعلى إيمان وتصديق بما جاء عن الله ورسوله في ثواب من قتله الكفار شهيدا، وهذا الاحتمال أقرب من الأول، ولكنه لا يلتحق بالمخلصين ولا يلحق شأن الشهداء الأولين.