واختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن، والكلبي، وابن جُريج، وابن زيد، ومَطَر، قالوا: معنى {مُتَوَفِّيكَ} : قابضك من غير موت. و (التَّوَفِّي) : أخذُ الشيء وافيًا. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
يدل على هذا القول: قوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] ، أي: قبضتني إلى السماء.
فعلى هذا، معنى قوله: {مُتَوَفِّيكَ} : قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا.
وقال الربيع: معناه: متوفيك وفاة نومٍ، للرفع إلى السماء،
يدلُّ عليه: قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60] . قال ابن عباس في رواية الوالبي: معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ: توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه.
وقال الواسطي: معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و [عن] حظوظ نفسك؛ وذلك أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ كحالِ الملائكةِ والطريق الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير.
قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى عليهما السلام.
قال الفرَّاء: يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى: إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى الدنيا.
ومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: {أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] الآية، وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} .