ومعنى ذلك أن هناك مكراً غير سيء ، أي أن المكر الذي لا يقصد منه إيقاع الضرر بأحد ، فإننا نسميه مكرَ خير ، أما المكر الذي يقصد منه إيقاع الضرر فهو"المكر السيء". ولنا أن نسأل: ما الذي يدفع إنسانا ما إلى المكر ؟ إن الذي يمكر يداري نواياه ، فقد يظهر لك الحب بينما هو مبغض ، ويريد أن يزين لك عملا ليمكر بك ، فيحاول مثلا أن يصحبك إلى مكان بعيد غير مأهول بالناس ويريد أن يوقع بك أبلغ الضرر ، وقد يكون القتل.
إذن ، فمن أسس المكر التبييت ، والتبييت يحتاج إلى حنكة وخبرة ، لأن الذي يحاول التبييت قد يجد قبالته من يلتقط خبايا التبييت بالحدس والتخمين ، وما دام المكر يحتاج إلى التبييت ، فإن ذلك علامة على الضعف فِي البشر لأن القوي لا يمكر ولا يكيد ولكن يواجه.
إن القوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف ، فمن الممكن أن يطلقه ، لأن القوي مطمئن إلى أن قوته تستطيع أن تؤذي هذا الضعيف. لكن الضعيف حين يملك قويا ، فإنه يعتبر الأمر فرصة لم تتكرر ، ولذلك فالشاعر يقول: وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء
إن الضعيف هو الذي يمكر ويبيت. والذي يمكر قد يضع فِي اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلا ، وقد ينكل به كثيرا ، لذلك يخفى الماكر أمر مكره أو تبييته.
فإذا ما أراد خصوم المنهج الإيماني أن يمكروا ، فعلى من يمكرون ؟ إن الرسول لا يكون فِي المعركة بمفرده ولكن معه الله.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] .
فالله يعلم ما يبيت أي إنسان ، ولذلك فعندما يريد الله أن يبرز شيئا ويوجده فلن يستطيع أحد أن يواجه إرادة الله وأمره ، إذن فمكر الله لا قبل لأحد لمواجهته.
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]