يرى تلك النقوش ولا يبصر هاتيك السطور فإذا تجرد عن عالم الكثافة بصر ورأى وشاهد ما به قلم الاستعداد جرى فإذا وجد سوءاً {تَوَدُّ} نفسه وتتمنى {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا} لتعذبها به {وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} كرره تأكيداً لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه {والله رَءوفٌ بالعباد} [آل عمران: 30] أي بسائرهم فلهذا حذرهم ، أو بمن اتصف بمقام العبودية وانقطع إليه بالكلية {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى} لأني سيد المحبين {يُحْبِبْكُمُ الله} وحقيقة المحبة عند العارفين احتراق القلب بنيران الشوق ، وروح الروح بلذة العشق ، واستغراق الحواس فِي بحر الأنس ، وطهارة النفس بمياه القدس ، ورؤية الحبيب بعين الكل ، وغمض عين الكل عن الكونين ، وطيران السر فِي غيب الغيب ، وتخلق المحل بخلق المحبوب وهذا أصل المحبة وأما فرعها فهو موافقة المحبوب فِي جميع ما يرضاه وتقبل بلائه بنعت الرضا والتسليم فِي قضائه وقدره بشرط الوفا ، ومتابعة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وأما آدابها فالانقطاع عن الشهوات واللذات المباحة والسكون فِي الخلوات ، والمراقبات ، واستنشاق نفحات الصفات ، والتواضع والذل فِي الحركات والسكنات.
مساكين أهل العشق حتى قبورهم...
عليها تراب الذل بين المقابر
وهذا لا يكون إلا بعد أن ترى الروح بعين السر مشاهدة الحق بنعت الجمال وحسن القدم لا بنعت الآلاء والنعم لأن المحبة متى كانت من تولد رؤية النعماء كانت معلولة وحقيقة المحبة ما لا علة فيها بين المحب والحبيب سوى ذات الحبيب ، ولذا قالوا: لا تصح المحبة ممن يميز بين النار والجنة وبين السرور والمحنة وبين الفرض والسنة وبين الاعتواض والاعتراض ولا تصح إلا ممن نسي الكل واستغرق فِي مشاهدة المحبوب وفني فيه.
خليلي لو أحببتما لعلمتما...
محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى...
يتوق ومن يعلق به الحب يصبه