أَمَّا لَفْظُ"الْمَسِيحِ"فَمُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ الْعِبْرَانِيُّ:"مشيحا"بِالْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ الْمَسِيحُ وَهُوَ لَقَبُ الْمَلِكِ عِنْدَهُمْ ; لِمَا مَضَتْ بِهِ تَقَالِيدُهُمْ مِنْ مَسْحِ الْكَاهِنِ كُلَّ مَنْ يَتَوَلَّى الْمُلْكَ بِالدُّهْنِ الْمُقَدَّسِ ، وَهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَوْلِيَةِ الْمُلْكِ بِالْمَسْحِ وَعَنِ الْمَلِكِ بِالْمَسِيحِ ، وَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُمْ بَشَّرُوهُمْ بِمَسِيحٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مَلِكٌ يُعِيدُ إِلَيْهِمْ مَا فَقَدُوا مِنَ السُّلْطَانِ فِي الْأَرْضِ ، فَلَمَّا ظَهَرَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَسُمِّيَ بِالْمَسِيحِ آمَنَ بِهِ قَوْمٌ وَقَالُوا: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَلَا يَزَالُ سَائِرُ الْيَهُودِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْبِشَارَةَ لَمَّا يَأْتِ تَأْوِيلُهَا ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِمْ مَلِكٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَعْنَى صِدْقِ لَفْظِ الْمَسِيحِ عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يُوَلُّونَ الْمَلِكَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ تَقْرِيرِ الْعَدْلِ فِيهِمْ وَرَفْعِ أَثْقَالِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَقَدْ فَعَلَ الْمَسِيحُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا عِنْدَ بِعْثَتِهِ فِيهِمْ مُتَمَسِّكِينَ بِظَوَاهِرِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَخَاضِعِينَ لِأَفْهَامِ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِيسِيِّينَ وَأَوْهَامِهِمْ حَتَّى أَرْهَقَهُمْ ذَلِكَ عُسْرًا وَتَرَكَهُمْ يَئِنُّونَ مِنَ الظُّلْمِ وَأَثْقَالِ التَّكَالِيفِ ، فَرَفَعَ الْمَسِيحُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِإِرْجَاعِهِمْ إِلَى مَقَاصِدِ الدِّينِ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْأُخُوَّةِ الرَّافِعَةِ لِلظُّلْمِ . أَقُولُ: وَقَدْ نَقَلُوا