عَنْهُ مَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ أَنَّ مَمْلَكَتَهُ رُوحَانِيَّةٌ لَا جَسَدِيَّةٌ . وَقَدْ لَاحَ لِي عِنْدَ الْكِتَابَةِ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى يُرَادُ بِهِ أَنَّ لَفْظَ الْمَسِيحِ هُنَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْعِلْمِ لَا مَجْرَى الْوَصْفِ ، وَالْعِلْمُ الْمُشْتَقُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّاهُ مُتَّصِفًا بِالْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ إِذَا اسْتُعْمِلَ وَصْفًا ، فَإِذَا وَضَعْتَ لَفْظَ"عَلِيٍّ"عَلَمًا عَلَى رَجُلٍ يَصِيرُ مَدْلُولُهُ شَخْصَ ذَلِكَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَا عِلَّةٍ أَمْ لَا ، وَإِذَا سَمَّيْتَ ابْنَتَكَ"مَلِكَةً"لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُلْمَحَ الْمَعْنَى الَّذِي يُنْقَلُ لَفْظُهُ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ أَحْيَانًا . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ بِضْعَةَ وُجُوهٍ لِتَفْسِيرِ لَفْظِ الْمَسِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَسْحِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْهَا .
وَأَمَّا لَفْظُ"عِيسَى"فَهُوَ مُعَرَّبُ"يَشُوعَ"بِقَلْبِ الْحُرُوفِ بَعْدَ جَعْلِ الْمُعْجَمَةِ مُهْمَلَةً وَهَذَا يَكْثُرُ فِي الْمَنْقُولِ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ . فَسِينُ الْمَسِيحِ وَمُوسَى شِينٌ فِي
الْعِبْرَانِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ سِينُ شَمْسٍ فَهِيَ عِنْدُهُمْ بِمُعْجَمَتَيْنِ . وَإِنَّمَا قِيلَ: (ابْنُ مُرْيَمَ) مَعَ كَوْنِ الْخِطَابِ لَهَا ، إِعْلَامًا لَهَا بِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلِذَلِكَ قَالَتْ بَعْدَ الْبِشَارَةِ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ؟ إِلَخْ .