حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا مثلها من ولد يعقوب عليه السلام،
قائلا: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم.
فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل عليه السلام، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم.
وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم 19/ 7] وهو معرّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى: «يوحنا المعمداني» لأنه كان يعمّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام المسمى (كلمة الله) لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: كُنْ، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم.
ويحيى أيضا سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه- وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى- وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم.
ولكن زكريا تعجب قائلا: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل
الله ما يشاء في الكون، فمتى شاء أمرا أوجده، سواء بسبب معروف أو بغير سبب، ومنه إيجاد الولد والمرأة عاقر.
فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدله على الحمل ووجود الولد منه، استعجالا للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال طوال الوقت، وعلى التخصيص في الصباح والمساء.
فقه الحياة أو الأحكام: