قِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ تَعَفُّفٍ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ لَمْ تَكُنْ صِفَتُهُمُ التَّعَفُّفَ، وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِمِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْعَلَامَةِ حَاجَةٌ، وَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الظَّاهِرَةُ تُنْبِئُ عَنْ حَالِهِمْ وَأَمْرِهِمْ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَعْوَزْنَا مَرَّةٌ فَقِيلَ لِي: لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتَهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ مُعْنِقًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا وَاجَهَنِي بِهِ: «مِنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا لَمْ نَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا نَجِدُهُ» ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، فَقُلْتُ: أَلَا اسْتَعَفَّ فَيُعِفَّنِي اللَّهُ، فَرَجَعْتُ فَمَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ حَاجَةٍ حَتَّى مَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا فَغَرَّقَتْنَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ مَعْنًى يَنْفِي مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ مِنَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالتَّعَفُّفِ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْمَسْأَلَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ؟