فقلت له: أمّا سِدادُ الكنيف فأنت مليءٌ به، فلا علمَ لي بك كيف أنت فيه! وكنتُ حديثَ السنِّ فأردت العبثَ به - فأعرض عنّي مليّاً ثم أقبل عليَّ وأنشد متمثِّلاً:
وأُكْرِمُ نفْسي إنّني إن أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لم تَكْرُمْ على أحدٍ بعْدِي
قال الأصمعي: فقلت له: والله، ما يكون من الهوان شيء ٌ أكثر مما بذلْتَها له، فبأي شيء أكرمتها؟
فقال: بلى، والله، إن من الهوان لشَرّاً مما أنا فيه، فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس، فانصرفت عنه أخزى الناس...
ومثله ما رُوي أن أبا عمرو
بن العلاء قال: اجتزت بكنّاس ينشد:
إذا أنْتَ لم تَعْرِفْ لنفسِك قَدْرَها ... هَواناً لها كانَتْ على الناسِ أهونا
فقلت: سبحانَ الله، أتنشد مثلَ هذا وتتعاطى مثلَ هذا الفعل؟ فقال: إنَّ إنشادي لمثله أصارني إلى هذا، فَراراً من ذلِّ السؤال...
(ذم الإلحاح والحث على الإجمال في الطلب)
في الحديث: (إنّ اللهَ يُبغض من عباده السائلَ المُلْحِفَ) ، وقال حكيم: لا يكثرن الرجل على أخيه المسألةَ، فإنَّ العجل إذا أفرط في مصِّ أمِّه نَطحته ونحَّته، وقال بشار بن برد:
ولَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مثلُ الرّدِّ
ووقع بعض الكبار في قِصَّةِ مُلحٍّ مُكثرٍ للسؤال: دَعْ هذا الضَّرْعَ يَدِرَّ لغيرك كما دَرَّ لك. وقالوا: اطلبوا الحاجاتِ بعزّة النفس فإنَّ بيد اللهِ قضاءَها...
وقال ابن الرومي في الإحسان يتوصّل إليه بهوان:
إذا أنا نالَتْني فواضِلُ مُفْضِلٍ ... فأهْلاً بها ما لَمْ تَكُنْ بِهَوانِ
فأمَّا إذا كان الهَوانُ قَرينَها ... فبُعْداً لها ما ينْقَضِي لأوانِ
ومَنْ ذا الذي يَلْتَذُّ شَهْداً بعَلْقَمٍ ... أبَتْ لَهَواتي ذاكَ والشَّفتانِ
أريدُ مَكاناً مِنْ كريمٍ يَصُونُنِي ... وإلا فلِي رِزْقٌ بِكُلِّ مكانِ
دِقَّةُ موقف السائل: ومن عبقريّاتهم في صعوبةِ موقف من يسأل لنفسه شيئاً ولا سيّما إذا كان ممّن يكرّمون أنفسهم: