والحق يقول هنا:"ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم فِي ربه"و"إلى"جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة ، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة ، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم فِي ربه ، لأنه لا يعنينا التشخيص سواءً كان النمروذ أو غيره.
فإذا ذهب بعض المفسرون إلى القول: إنه ملك واسمه النمروذ. فإننا نقول لهم شكراً لاجتهادكم ، ولكن لو شاء الله تحديد اسم الرجل لحدده لنا ، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على رسول إله إبراهيم عليه السلام وجادله فِي هذه المسألة ، والتشخيص هنا ليس ضرورياً ، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه فِي أي زمان أو مكان فإن الله لا يشخص الأمر ، فأي إنسان فِي أي مكان قد يحاجج أي مؤمن. وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد ، ومثال ذلك هؤلاء الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف ، ويتساءلون: أين ومتى ، وكم عددهم ، ومن هم ؟
ونقول: لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة ؛ لأنه لو حددنا زمانها سيأتي واحد يقول لك: مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها. ولو حددنا المكان سيقول آخر: إن المكان كان يسمح بهذه المسألة. ولو حددنا الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان ، فسيقول ثالث: إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن يصدر منها مثل هذا السلوك وأني لنا بقوة إيمان هؤلاء ؟ والحق لم يحدد الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية فِي أي زمان وفي أي مكان يقولون ما يقولون ، ولو شخصها فِي واحد لفسد المراد. للنظر إلى دقة الحق حين ضرب مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط حين قال جل وعلا: