لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق ، ولكنك تريد أن تنكر النفي الذي يقوله هو ، وهكذا نعلم أن نفي النفي إثبات ، ولذلك فنحن نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة"ألم تر"على معنى: أنت رأيت ، والرؤية تكون بالعين. فهل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه - هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة أيام إبراهيم ؟ طبعا لا ، فكأن"ألم تر"هنا تأتي بمعنى: ألم تعلم.
ولماذا جاء بـ"ألم تر"هنا ؟ لقد جاء بها لنعلم أن الله حين يقول:"ألم تعلم"فكأنك ترى ما يخبرك به ، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك. فالعين هي حاسة من حواسك ، والحاسة قد تخدع ، ولكن ربك لا يخدع ، إذن فـ"ألم تر"تعني:"ألم تعلم علم اليقين"، وكأنك قد رأيت ما يخبرك به الله ، ولذلك يقول تعالى للرسول:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)
(سورة الفيل)
والرسول ولد عام الفيل ، فلم ير هذه الحادثة ، وكأن الله يخبره بها ويقول له: ألم تعلم ، وكأنه يقول له: اعلم علماً يقينا كأنك تراه ؛ لأن ربك أوثق من عينيك ، وعندما يقال:"ألم تر"فالمراد بها"ألم تر كذا"، لكن الحق قال:"ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم فِي ربه"واستعمال حرف"إلى"هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث ومثال ذلك ما نقوله أحيانا: ألم تر إلى زيد يفعل كذا. فكأن ما فعله زيد أمر عجيب ، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر ، لأن"إلى"تفيد الوصول إلى غاية ، فكأنها مسألة بلغت الغاية فِي العجب ، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط ، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث.