فكيف يثبت الله فعلاً واحداً لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته ؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله ؛ لأن ذلك ليس من عمله هو ، فإذا قال الله:"إنك لا تهدي"أي لا تحمل بالقصر والقهر من أحببت ، وإنما أنت"تهدي"أي تدل فقط ، وعليك البلاغ وعلينا الحساب. إذن فقول الحق:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة ، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم ، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة ، ويهديه هداية التوفيق ، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه.
"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم"تلك قضية تعالج الشح منطقياً ، وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد إليه هو ، ولا يوجد معطٍ عطاؤه لا يعود عليه إلا الله ، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه ، لأنه - سبحانه - أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال ، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا. ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيراً قط ؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا ؟ فقال: إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله"الحسن البصري"كان إذا دخل عليه من يسأله هش فِي وجهه وبش وقال له: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.