وتترك القصة أمر الجنة وما صارت إليه من احتراق أشجارها، والقضاء التام على ثمارها؛ لتعود بنا إلى أصحابها الذين استيقظوا في الصباح في الباكر، وما زالوا مصمّمين على تحقيق ما اتفقوا عليه، وتأمل معي تصوير القرآن لهم، وكأنك تراهم صورة ماثلة: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} (القلم: 21 - 25) .
فها هم أولاء قد قاموا في الصباح قبل طلوع الشمس، وأخذ كل منهم ينادي أخاه ليوقظه، مما يدل على تحمسهم وإصرارهم على تنفيذ مخططهم، وكل منهم يقول لإخوته: هبوا لنذهب معًا إلى بستاننا، إن كنتم تريدون قطع ثماره قبل مجيء المساكين، كما جرت بذلك عادتهم، وبسرعة تجمعوا وانطلقوا وهم يتخافتون، أي: يتحدثون بصوت منخفض، يتواصون فيما بينهم، ويؤكدون ذلك قائلين: {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} وساروا مسرعين إلى بستانهم يملؤهم الغضب، ويعتقدون أنهم على منْعِ المساكين قادرون، فقد مات أبوهم الذي كان في نظرهم يسيء إليهم؛ حيث يعطي
المساكين ما يعطي، بل كان الرجل يخبر المساكين بموعد جنيه لثمار جنته حتى يحضروا لينالوا من خيره وبره، أمّا الآن فهذه الحديقة ملك خاصٌّ لهم، فهم لذلك يستطيعون أن ينفِّذوا فيها ما يحبون، وكلمة الحرد في قوله: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} (القلم: 25) لم تذكر في كتاب الله إلّا في هذه الآية، وكأن اختيار هذه الكلمات الفريدة في القرآن، لمناسبة أن هذه القصة أيضًا فريدة لم تذكر في القرآن إلّا في هذه السورة، سورة"القلم".