والتعبير بالربوبية مضافة إلى المخاطب وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له الخطاب، فيه إظهار لهيمنة الله وقدرته على فعل ما يشاء، وفيه لفت للأنظار إلى أنّ هؤلاء لم يفهموا ولم يدركوا أنّ ما آل إليهم من ملكية هذه الجنة، إنما ذلك محض عطاء الله وفضله، وأن ما تجود به من الثمار نعمة من الله تستحق الشكر، ويأتي قوله: {وَهُمْ نَائِمُونَ} (القلم: 19) ليكمل الصورة؛ لتتخيل هؤلاء في غفلتهم، يغُطّون في نومهم، لا يدرون ما دبره الله في جنتهم، كما تدل هذه الصورة على بلادة حسهم، وأنهم لم تتحرك فيهم ذرة من رحمة وعطف على الفقراء، وأنهم لم يتألموا لمنع هؤلاء الفقراء، إنما ذهبوا لبيوتهم فناموا ملء جفونهم؛ كأنهم لم يصنعوا شيئًا.
وقد توعد الله من لم يحض على طعام المسكين بسوء العذاب فقال: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الحاقة: 30 - 34) فما بالكم بمن منع المساكين من خيره وبره،
أما النتيجة {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (القلم: 20) وكلمة الصريم التي رأيناها في قول أصحاب الجنة: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} (القلم: 17) وسوف نقرأها في {أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} (القلم: 22) .
هذه الكلمة لم تُذْكَر في القرآن إلّا في هذه السورة، وهي تعني كما ذكر الراغب وغيره: انفصال شيء عن شيء، وهنا معناه: أن هذا الطائف الذي طاف عليها أسقط كل ثمارها، فلم يترك منها شيئًا، وقال ابن عباس: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (القلم: 20) :"كالرماد الأسود".
يقول الألوسي:"وهو بهذا المعنى لغة خزيمة"، وعن ابن عباس أيضًا:"الصريم رملة باليمن معروفة لا تنبت شيئًا"، وقال منذر والفراء وجماعة:"الصريم: الليل"والمراد أصبحت محترقة تشبه الليل في السواد وهي معانٍ متقاربة.