وقوله تعالى: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} هُوَ جَوابُ القَسَمِ ، وَ {مَا} هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ ، وقوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} اعْتِرَاضٌ ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريشٍ في رَمْيِهِم النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجُنُونِ ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه ، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له ، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى {مَمْنُونٍ} فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه ، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها عن خلقِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ» ، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيماً ؛ إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى ؛ عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه ، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ ، وباطِنهُ مع الحق ، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ ، وحسْنُ الخلقِ خيرٌ كلّه ، وقال عليه السلام: