ولا يجوز أن يكون متعلقًا بمجنون وهو في موضع الحال كما زعم الزمخشري: ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل مضروب في الدار، وجعلت (في الدار) حالًا، لا يكون (في الدار) من صلة (مررت) ولا من صلة (مضروب) ، بل من صلة محذوف وهو كائن أو مستقر، لا أعرف في ذلك خلافًا بين النحاة.
وقيل: الباء في {بِنِعْمَةِ} للقسم، وهو قسم بعد قسم، وجوابه محذوف يدلُّ عليه جواب الأول، والوجه ما ذكر أولًا وهو أن تكون من صلة (مجنون) أو من صلة محذوف.
{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} اختُلف في الباء:
فقيل: بمعنى (في) ، والمفتون: المجنون. والمعنى: فستعلم وسيعلمون في أي الفريقين المجنون الذي لا يتبع الحق، أفي فريقك أم في فريقهم؟ أي: في أيهما يوجد؟
وقيل: الباء صلة، والمعنى: أيكم المفتون - أي المجنون - أَمِنَّا أم منكم؟
وقيل: الباء للإلصاق، والمفتون: الفتنة، وهو مصدر كالمجلود والمعقول، أي: بأيكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟
وقيل: في الكلام حذف مضاف، والتقدير: بأيكم فتنة المفتون؟
وقيل: الباء للسبب، والمعنى: بسبب أيكم المفتون، أي: المعذب، أي: أبدعائك يا محمد أم بدعائهم؟
وقوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (فيدهنون) عطف على (تدهن) وليس بجواب للتمني؛ لأنه لو كان كذلك لوجب حذف النون، قال صاحب الكتاب رحمه الله: وزعم هارون أنَّها في بعض المصاحف: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) يعني: بالنصب على جواب التمني.
{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) } :