وتفاخر راعيان، فقال أحدهما: والله ما اتخذت عصا فيها غير هذه منذ شبت وما انكسرت، فقال الآخر: تعست إن اتخذت فيها عصا غير يدي. ويوصف الراعي بأنه ضعيف العصا أي قليل الضرب بها.
قال الشاعر:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
الكنّاس
قال رجل من الكناسين لآخر: ويحك ألا تعجب من فلان يزعم أنه كناس ابن كناس؟ فقال: قل له يا ابن الخبيثة مالك والكنس، قد والله بغضوا إلينا هذا العلم، أف وتف من النوكى رجاء أمس. ويقول أنا كناس، أما والله لو شهدنا ونحن نكنس المطابق والسجون فلا نخطئ ما قدرنا بزنبيل واحد ولا نتحاشى من الدخول في كنفها. علم من الكناس ابن الكناس، وكان أبو إبراهيم الكساح رئيس الكساحين، قال له أحمد بن سليمان: احمل مائة سفينة مع المائة التي كنت حملتها قبل، وخذ ثمنها. فقال: تلك المائة كنت قد جعلتها طعمة للأمير.
باب مختلف من الصّناعات
قيل: من حذق في صناعته احتسب حذقه في رزقه، ولذلك ترى أكثر الحاذقين محرومين. وسمعت بعض العلماء يقول: إنما نرى أكثر الحذاق في صناعتهم يضيق رزقهم لا تكالهم على حذقهم لا يبذلون جهدهم فيما يعملونه، وغير الحاذق يبذل جهده ويفرغ نصحه خشية أن تسترذل صنعته، فيبارك الله فيه بجدّه وجدّه واستفراغ نصحه.
وقال الحسن بن سهل: لا يكسد رئيس صناعة إلا في شرّ زمان ومملكة أنذل سلطان.
وقيل: من انتكاس الدهر أن يولى امتحان الصناع من ليس بحاذق في صناعتهم.
روي في الخبر: لا بد للناس من عريف والعرفاء في النار، كأنه أخبر عن علم الله تعالى في أكثرهم أنهم يعملون بالمعاصي. فأما العرافة والنقابة فقد كانتا في قوم صالحين يقال: عريف ونقيب ومنكب، والعريف فوق النقيب.
نظر حمال إلى راكب، فقال: سبحان من حملك وحملني. وعطس حمّال، فقال:
رجل راكب مخمور يرحمك من أخرج العطسة من المضيق، فقال يغفر لك من حملك وجعل على قفاي هذه الكارة الدقيق. انتهى انتهى {محاضرات الأدباء، للراغب الأصفهاني} ...