فروى بجير بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}
قال كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء.
التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديماً لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل (قليلا) مفعول (يهجعون) وهو منفي
والبصريون لا يجيزون ذلك، وإن أجازه الكوفيون.
وفصل بعضهم فأجازه في الظرف، ولم يجزه في غيره.
(فصل)
وقيل (ما) زائدة وخبر كان {يهجعون} و (قليلا) منصوب إما على المصدرية أي هجوعاً قليلاً
وإما على الظرف أي زمناً قليلا.
واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى الله، فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه؟
وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعاً، فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ.
وقيل (ما) مصدرية وهي في موضع رفع بقليل. أي كانوا قليلاً هجوعهم
وهو قول الحسن.
وقيل إنها موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف أي قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعون.
وفيه تكلف.
وقيل {ما يهجعون} بدل اشتمال من اسم كان، والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا.
ويرد عليه أن (من الليل) متعلق بـ (يهجعون) ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.
وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير، ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور و (قليلاً) خبر (كان) وتم الكلام بذلك.
والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}
وأصحاب هذا القول يجعلون (ما) نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئاً من الليل وقد تقدم ما فيه.
ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجداً وقياماً ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك.
وكان النبي إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثاً.
وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار، وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار.
وشرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة، فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار.
(فائدة)
قَالَ الْحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ.
(موعظة)