{بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: لأنْ جاءهم منذر من جنسهم ، لا من جنس الملَك ، أو من جلدتهم ، وهو كما قال أبو السعود: إضراب عما ينبئ عنه جواب القسم المحذوف ، كأنه قيل: والقرآن المجيد أنزلناه إليك ؛ لتنذر به الناس ، حسبما ورد في صدر سورة الأعراف ، كأنه قيل بعد ذلك: لم يؤمنوا به ، جعلوا كلاً من المنذر والمنذر به عُرضة للنكير والتعجب ، مع كونهما أوفق شيء لقضية العقول ، وأقربه إلى التلقي بالقبول .
وقيل: التقدير: والقرآن المجيد إنك لمنذر . ثم قيل بعده: إنهم شكوا فيه ، ثم أضرب عنه . وقيل: بل عجبوا ، أي: لم يكتفوا بالشك والرد ، بل جزموا بالخلاف ، حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة . وقيل: هو إضراب عما يفهم من وصف القرآن بالمجيد ، كأنه قيل: ليس سبب اقتناعهم من الإيمان بالقرآن أنه لا مجد له ، ولكن لجهلهم .
{فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير لتعجبهم ، وبيان لكونه مقارناً لغاية الإنكار ، مع زيادة تفصيل لمحل التعجب . وهذا إِشارة إلى كونه عليه الصلاة والسلام منذراً بالقرآن . وإضمارهم أولاً للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم ، وإظهارهم ثانياً للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه ، أو عطف لتعجبهم من البعث ، على تعجبهم من البعثة . على أن هذا إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من الجملة الإنكارية .
{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [3] .
{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} تقرير للتعجيب وتأكيد للإنكار . والعامل في إذا مضمر غنيّ عن البيان ؛ لغاية شهرته ، مع دلالة ما بعده عليه ، أي: أحين نموت ونصير تراباً نرجع ، كما ينطق به النذير والمنذر به . مع كمال التباين بيننا وبين الحياة, حينئذٍ .
ذلك إشارة إلى محل النزاع {رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي: عن الأوهام أو العادة أو الإمكان .