ومعلوم أن هذا الذم والإنكار على من يتدبر كتاب الله عام لجميع الناس.
ومما يوذح ذلك أن المخاطبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار ، ليس أحد منهم مستكملاً لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول ، بل ليس عندهم شيء منها أصلاً. فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به ، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالإصلاح الأصولي لما وبخ الله الكفار وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه ، ولما أقام عليهم الحجة به حتى يحصلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين ، كما ترى.
ومعلوم أن من المقرر فِي الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول ، وإذاً فدخول الكفار والمنافقين ، في الآيات المذكورة قطعي ، ولو كان لا يصح الانتفاع بهدي القرآن إلا لخصوص المتجتهدين لما أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله ، وعدم عملهم به.
وقد علمت أن الواقع خلاف ذلك قطعاً ، ولا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد ، والأمور المنصوصة في نصوص صحيحة ، من الكتاب والسنة ، لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد ، حتى تشترط فيها شروط الاجتهاد ، بل ليس فيها إلا الاتباع ، وبذلك تعلم أنما ذكره صاحب مراقي السعود تبعاً للقرافي من قوله:
من لم يكن مجتهداً فالعمل... منه بمعنى النص مما يحظل
لا يصح على إطلاقه بحال لمعارضته لآيات وأحاديث كثيرة من غير استناد إلى دليل.
ومن المعلوم ، أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب والسنة ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
ومن المعلوم أيضاً ، أن عمومات الآيات والأحاديث ، الدالة على حث جميع الناس ، على العمل بكتاب الله ، وسنة رسوله ، أكثر من أن تحصى ، كقوله صلى الله عليه وسلم:"تركتب فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي"وقوله صلى الله عليه وسلم"عليكم بسنتي"الحديث. ونحو ذلك مام لا يحصى.