لذلك ورد في الحديث القدسى:"يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وحيّكم وميّتكم، وإنسكم وجنَّكم، وشاهدكم وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً."
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم .. اجتمعوا في صعيد واحد، فسألني كلُّ واحد مسألته فأعطيتُها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخلَ البحر.
ذلك أنَِّي جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقول له: كُنْ فيكون""
إذن: حظ التكليف صلاح المكلف.
وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله تعالى:
{أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..} [البقرة: 5] فكأن الهدى دابة ومطيّة تحمل المهتدي وتُوصِّله إلى غايته التي يسعى إليها، فالهدي ليس حِمْلاً وليس ثِقَلاً على صاحبه إنما مُعين له.
والآية التي معنا {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلاً في قصة سيدنا نوح وولده.
وهذه الآية نزلتْ في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه قد أسلما، وأبَى هو أنْ يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممَّن ماتوا في السابقين.
ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحَسُن إسلامه. وإنْ كانت هناك روايات عن السيدة عائشة أنها نفَتْ ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرتْ اسمه.
قوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 17] أي: اذكر الذي قال لوالديه {أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] و (أفّ) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفّف. يعني: يقول أف ويُظهر الضيق والضجر من شيء قذر أو مُنتن أو فعل لا يعجبك.
وقوله {لَّكُمَآ} دلَّ على غضبه منهما لأنها يُلحان عليه.
فقال: {أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] أنتما ليس بعيداً عنكما.
لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يُلحان عليه أنْ يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفّف، وقال: {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ..} [الأحقاف: 17] يعني: أُبعث بعد الموت، والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث.