وإنما ذكر سبحانه حمل الأمّ ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به ، والمعنى: أنها حملته ذات كره ، ووضعته ذات كره ، ثم بيّن سبحانه مدّة حمله وفصاله فقال: {وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً} أي: مدتهما هذه المدّة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع ، أي: يفطم عنه.
وقد استدلّ بهذه الآية على أن أقلّ الحمل ستة أشهر ؛ لأن مدّة الرضاع سنتان ، أي: مدّة الرضاع الكامل ، كما في قوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} [البقرة: 233] فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدّة الحمل ، وأكثر مدّة الرضاع.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب ؛ لأنها حملته بمشقة ، ووضعته بمشقة ، وأرضعته هذه المدّة بتعب ونصب ، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك.
قرأ الجمهور {وفصاله} بالألف ، وقرأ الحسن ، ويعقوب ، وقتادة ، والجحدري (وفصله) بفتح الفاء ، وسكون الصاد بغير ألف ، والفصل والفصال بمعنى: كالفطم والفطام ، والقطف والقطاف {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي: بلغ استحكام قوّته وعقله ، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى ، ولا بدّ من تقدير جملة تكون حتى غاية لها ، أي: عاش واستمرّت حياته حتى بلغ أشدّه ، قيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة ، وقيل: الأشد: الحلم قاله الشعبي ، وابن زيد.
وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين ، والأوّل أولى لقوله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} ، فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد.
قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلاّ بعد أربعين سنة {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى} أي: ألهمني.
قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني ، أي: استلهمته فألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ} أي: ألهمني شكر ما أنعمت به عليّ من الهداية ، وعلى والديّ من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً.