فَسَمِعْتُ شَيْخَنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرَادُهُ لَا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفَاقِ، بَلِ الْمُرَادُ لَا أَفْتَحُ عَلَى نَفْسِي هَذَا الْبَابَ، فَكُلُّ مَنْ سَأَلَنِي هَلْ سَمَّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ» .
وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ عُكَاشَةَ وَحْدَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَدَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَوْ دَعَا لَقَامَ آخَرُ وَآخَرُ وَانْفَتَحَ الْبَابُ، وَرُبَّمَا قَامَ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، فَكَانَ الْإِمْسَاكُ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) }
الغشاوة: هي الغطاء. وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب. فإن ما في القلب من الخير والشر يظهر على العين، فالعين مرآة القلب، تظهر ما فيه. وأنت إذا بغضت رجلا بغضا شديدا أبغضت كلامه ومجالسته، فتجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته.
فذلك أثر البغض والإعراض عنه.
وغلطت الغشاوة على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وعما جاء به من الهدى ومن الحق. وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحتها كالغمامة، ولما غشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك الغشي غشاوة على أعينهم، فلا تبصر مواقع الهدى.
(فصل)
قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}
قال ابن عباس: علم ما يكون قبل أن يخلقه
وقال أيضا على علم قد سبق عنده
وقال أيضا: يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه
وقال أبو إسحاق: أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه
وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين
وقال الثعلبي: على علم منه بعاقبة أمره
قال وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه.