وقوله: {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} و {يُنْزَفُون} وأصْحَاب عَبْدِالله يقرءونَ (يُنْزِفُون) وله معنيان. يقال: قد أنْزف الرجلُ إذا فنِيت خَمرُهُ. وأَنْزَف إذا ذهبَ عقله. فهذان وجهان. ومن قال {يُنْزَفونَ} يقال: لا تذهب تقولهم وهو من نُزِف الرجلُ فهو مَنْزوف.
{قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ}
وقوله: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ...}
هذا رجل مِنْ أهِل الجنّة ، قد كان له أخ من أهْل الكفرِ ، فأحبَّ أن يَرى مَكانة فَيأذَنَ الله له ، فيطّلع فِي النار ويخاطبه. فإذا رآه قال {تَاللّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِين} وفى قراءة عَبدالله (إنْ كِدْت لَتُغْوِين) ، ولولا رحمة ربى {لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ} أي معك فِي النار مُحْضَرا. يقول الله {لِمثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ} وهذا منْ قول الله.
وقد قرأ بعض القُرّاء {قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونِ فأُطْلِعَ} فكسر النون. وهو شاذّ ؛ لأنَّ العرب لا تختار على الإضافة إذا أسندوا فاعلاً مجموعاً أو موحّداً إلى اسم مكنّى عنه. فمن ذلكَ أن يقولوا: أنت ضاربى. ويقولون للاثنين: أنتما ضارباىَ ، وللجميع: أنتم ضارِبِيَّ ، ولا يقولوا للاثنين: أنتما ضارباننىِ ولا للجميع: ضَاربونَنى. وإنّما تكون هَذه النون فِي فعل ويفعل ، مثل (ضربونى ويضربنى وضربنى) . وربما غلِط الشاعر فيذهب إلى المعنى ، فيقول:أنتَ ضاربُنى ، يتوهّم أنه أراد: هَل تضربنى ، فيكون ذلك عَلى غير صحَّة.
قال الشاعر:
هل الله من سَرْو العَلاَة مُرِيحُنِى * وَلَمَّا تَقَسَّمْنى النِّبَارُ الكوانِسُ
النِّبْر: دابَّة تشبه القُرَاد. وَقَالَ آخر:
وما أدرى وظنَّى كلُّ ظنٍّ * أمسلُمِنى إلى قَومٍ شَرَاحِ
ا يريد: شراحيل ولم يقل: أمسلمِيّ. وهو وَجه الكلام. وقال آخر:
هم القائِلُون الخيرَ والفاعلونَه * إذا ما خَشُوا من محدَث الأمر مُعْظَما
ولم يقل: الفاعلوه. وهو وجه الكلام.