{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] أولم يتفكروا في بدء خلقه، إنا أنشأناه من الذرة التي استخرجناها من صلب آدم، وهي أصغر من العظيم الرميم، ثم أودعناها في النطفة وهي في صلب أبيه مودعة، ثم أودعنا النطفة في رحم أمه والنطفة ميتة، ثم أنشأنا النطفة خلقاً آخر حيَّا، {قُلْ يُحْيِيهَا ِالَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] ، الذي علم أن يخلق آدم من تراب بلا أب وأم، وأنه يخلق حواء بلا أم ويخلق عيسى بلا أب.
{الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً} [يس: 80] ؛ أي: من شجر أخضر البشرية نار المحبة {فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] ، شجرة بشريتكم ومصباح قلوبكم.
{أَوَلَيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81] ، بهذه الإشارات مهد سبيل الرشاد إلى الاستدلال، وقال: إن الإعادة في الابتداء، فإذا أقررتم بالابتداء فأي إشكال بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ ثم قال: الذي قدر على خلق النار في الأغصان الرطبة من المرخ والعفار قادر على خلق الحياة في الرمة البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مثل الشيء كالقدرة عليه لاستوائها بكل وجه، وأنه يحيي النفوس بعد موتها في العرصة، كما يحيي الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، ويحيي القلب بالعرفان لأهل الإيمان كما يحيي نفوس أهل الكفر بالهوى والطغيان.