وبقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69] ، يشير إلى أن كل أقوال وأعمال وأحوال تجري على العباد في الظاهر والباطن كلها تجري بتعليم الحق تعالى الحرف والصنائع، وذلك سر قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، وتعليمه الصنائع لعباده على ضربين بواسطة وبغير واسطة، أما بالواسطة فتعليم بعضهم بعضاً، وأما بغير الواسطة فكما علم داود عليه السلام صنعة لبوس، وكل حرفة وصنعة يعمل الإنسان من قريحته بغير تعليم أحد، فهو من هذا القبيل وقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69] ، إشارة إلى أنه تعالى ما علمه الشعر ولكن علمه الذكر والقرآن، كما قال: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1 - 2] ، وقوله: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] ، يشير إلى أن كل قلب يكون جوفه بنور الله وبروح منه بقيده الأقدار ويتأثر بها، وأمارة تأثيره: الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والمولى، ووجب القول الأزلي على الكافرين بموت قلوبهم وقساوتها فلا يتأثر بالإنذار.
ثم أخبر عن قدرته ومنَّ علينا بنعمته وبقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} [يس: 71] ، يشير إلى أنه تعالى خلق للإنسان جميع ما خلق بالوسائط وغير الوسائط، ومما خلق بغير الوسائط خلق لهم أنعاماً، ذَكَر عظيم منته عليهم وجميل نعمته لديهم بما خلق لهم المخلوقات، وبما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه من الانتفاع فهم لها مالكون؛ لينتفعوا بركوبها وأكل لحومها وشحومها وبشرب ألبانها، وما يحمل عليها بالتقرب بها في قطع المسافة البعيدة إلى الزيارات والمواضع الشريفة والمزارات المتبركة، ثم بأصوافها وأدبارها وشعورها.