{وأما الذين فسقوا} أي: خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي: التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه ملجؤهم ومنزلهم أي: فالنار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين {كلما أرادوا} أي: وهم مجتمعون ، فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها} بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون نفوسهم من محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى ميدان المعاصي والزلات فيعالجون الخروج ، فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا فيها} فهو عبارة عن خلودهم فيها {وقيل لهم} أي: من أي: قائل وكل بهم {ذوقوا عذاب النار} إهانة لهم وزيادة في تغيظهم وقوله تعالى {الذي كنتم به تكذبون} صفة لعذاب ، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجحيم والحريق.
ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان قال تعالى:
{ولنذيقهم من العذاب الأدنى} أي: عذاب الدنيا ، قال الحسن: هو مصائب الدنيا وأسقامها وقال عكرمة: الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب ، وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر {دون العذاب الأكبر} وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة ، فإن قيل: ما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر ، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى والأكبر إنما هو في مقابلة الأصغر.
أجيب: بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران: أحدهما: أنه قريب ، والآخر: أنه قليل صغير ، وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران: أحدهما: أنه بعيد ، والآخر: أنه عظيم كبير ، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح للتخويف ، فإن العذاب الآجل وإن كان قليلاً فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلاً ، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل.