واستدل به على أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل. ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به. وفيه أن الله تعالى سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر. ومثله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"ولا يخفى أن"من"التبعيضة في قوله {وجعلنا منهم} كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى ، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال {إن ربك هو يفصل بينهم} الآية. وفيه إشارة إلى أنه سبحانه سيميز المحق في كل دين من المبطل. ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً {أولم يهد لهم} وقد مر نظيره في آخر"طه"وإنما قال في آخر الآية {إن في ذلك لآيات} على الجمع ليناسب القرون والمساكن. وإنما قل {أفلا يسمعون} لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع ، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع. وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة. ومعنى {نسوق الماء} نسوق السحاب وفيه المطر {إلى الأرض الجرز} وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله {فنخرج به زرعاً} وعن ابن عباس أنها ارض اليمن ، والضمير في"به"للماء. وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره. شقال في"طه" {كلوا وارعوا أنعامكم} [الآية: 54] لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح لإِنسان في أول ظهروه مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله {أفلا يبصرون} تأكيداً لقوله في أول الآية {أولم يروا} ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب. قال المفسرون